أثناء عشريّة الدّم بالجزائر: من يقتل من؟


ستلاحظون أثناء سرده للوقائع أن هنالك مجموعة متمكّنة من الأمن العسكري ـ وقع تسميتهم و المواقع التي يشغلها كل منه ـ تمكنوا من مفاصل الدولة و أصبحوا يصولون و يجولون " هو الخصم و الحكم" و نكّلوا ب" أعداء الله و أعداء الوطن كما يسمونهم" و تم تركيعهم و أصبحوا ينادونهم بالشرذمة الضّالّة طالبين المواطنين بالتعاون معهم و إعطائهم صكّ على بياض ملاحقتهم و تعليق كلّ ما في البلاد 
هو من تدبيرهم
و لكم في ما يلي النصّ كاملا
   

ابتكار الأطروحة الخارقة للعادة

 "من يقتل من؟"


انطلاقا من المذابح الفظيعة المرتكبة في خريف سنة 1997 بدأ الرأي العام العالمي أخيرا يعير اهتمامه للعديد من الملاحظين خاصة بعض المنظمات غير حكومية لحقوق الإنسان، الصحافيين وخبراء الأزمة الجزائرية الذين كانوا يشكون منذ مدة في تورط قوات الأمن في أعمال العنف المنسوبة للإسلاميين. ولكن إلى ذلك التاريخ كان هؤلاء المنادون والمستصرخون كمن يؤذن في مالطا!
إن تصور قيام قوات تابعة للجيش بارتكاب أو مساعدة من يقوم بارتكاب جرائم مماثلة، هو بكل تأكيد صعب التقبل والتصديق!! خاصة وأن هذه الأفعال قد بلغت في بشاعتها درجة لا يكاد يتصورها المرء فكيف يبلغ الخيال بالإنسان أن يتصور مواطنين بسطاء (بينهم أطفال، نساء وشيوخ طاعنون في السن) يُختطفون، يُشوهون، يُغتصبون، يُقتلون، يُذبحون... بتحريض من أولئك الذين يفترض أن يكونوا حماتهم ومنقذيهم من ذلك ؟
ومع ذلك، كما سنرى، فإن كل المناورات والألاعيب السابقة لأعمال العنف التي قام بها الإسلاميون، والتي كنت شاهدا عليها، كانت مؤشرا مسبقا لهذه الفظائع والشناعات. فمن المؤكد وبصفة خاصة أنه منذ سنة 1992 حتى سنة 1996، قامت جماعات إسلامية مستقلة بارتكاب جرائم وفظائع مريعة، ولكن القسم الأكبر من الاغتيالات والمذابح الجماعية المنسوبة إلى الإسلاميين منذ سنة 1992، وبصفة أخص منذ سنة 1997 هي في الحقيقة أعمال مباشرة أو غير مباشرة قام بها رجال تابعون نظاميا لهياكل الأجهزة الأمنية!!
إن هذا الموضوع هو الذي سأنكب على توضيحه والبرهنة عليه عبر فصول هذا الكتاب، كما أشرت في المقدمة، وذلك بهدف المساهمة في إظهار الحقيقة الخاصة بهذه "العشرية الحمراء" المتميزة بأرقام مفزعة تتمثل في 000 200 قتيل و1200 مفقود وعشرات المراكز للتعذيب (بمقياس "صناعي")، 000 13 معتقل 000 400 لاجئ وأكثر من مليون مُنقل أو نازح. ونتج عن هذه النكبة التي ضربت اقتصاد البلد إفقار جزء كبير من أفراد الشعب (البطالة مست أكثر من 30 % من الأفراد العاملين. ومن خلال تقديرات بعض المنظمات الدولية غير الحكومية فإن حوالي 15 مليون من أفراد الشعب الجزائري يعيشون تحت عتبة الفقر، وهو أمر متناقض تماما مع واقع بلد بمثل غنى الجزائر)، كما ظهرت من جديد أمراض سبق القضاء عليها منذ عشرات السنين (التيفوئيد، السلّ، الطاعون...) وتفشي آفات اجتماعية بصفة عامة (الرشوة، اللصوصية، الدعارة، الانتحار...).
إن هذا الكتاب يهدف - إذاً - إلى الحيلولة دون وقوع تزييف آخر، وتشويه جديد لتاريخ الجزائر، على غرار ما حصل بالنسبة لتاريخ حرب التحرير، الذي أعاد كتابته دجالون جعلوا أنفسهم أبطالا.
ذلك لأن الرأي العام العالمي ما يزال بعيدا جدا عن التصديق بالمدى الواسع الذي بلغته التلاعبات والمناورات الشيطانية التي قام بها الـ(أ.ع/SM) [هذا الشعار الأسطوري الذي لم يتبدل رغم كل التغييرات التي طرأت على التسمية كـ "المديرية المركزية لأمن الجيش" (م.م.أ.ج/DCSA) و"المندوبية العامة للتوثيق والأمن" (م.ع.ت.أ/DGDS) والتسمية الأخيرة منذ سبتمبر 1990 5 وهي "قسم الاستخبارات والأمن" (ق.إ.أ/DRS) وبصفة خاصة تلك التي تهتم بالأخبار والإعلام عن أحداث الحرب والتي تُستبدل بها تلقائيا، وبمهارة فائقة أخبارٌ مشوهة "على المباشر".
ولعل التجسيد الأكثر إثارة للعجب والدهشة لهذه السياسة التشويهية المنقطعة النظير هو بدون شك ذلك الابتكار العجيب لأطروحة " من يقتل من؟" في أواخر سنة 1997. فبعد المذابح الرهيبة المرتكبة في ضواحي العاصمة صمم المناضلون الجزائريون لحقوق الإنسان والمنظمات الدولية غير الحكومية للدفاع عن حقوق الإنسان على المطالبة من جديد، بلجنة تحقيق دولية مستقلة لتسليط الضوء على الشكوك المخيمة حول تورط قوات الأمن في أعمال العنف المنسوبة إلى الجماعات الإسلامية. وفي هذه المرة بدأ صوتهم يسمع من "المجموعة الدولية" إلى درجة أن الناطق الرسمي باسم الحكومة الأمريكية جيمس روبين قد صرح يوم 05 يناير 1998 بأن حكومة بلاده ترغب في لجنة تحقيق دولية لمعرفة المسؤولين عن ارتكاب هذه المذابح ومدبريها 6.
أمام هذا التهديد قامت مصلحة الدعاية في (ق.إ.أ/DRS7 بابتكار شعار في غاية الفعالية والخطورة، حيث قامت باستعمال عملائها الإعلاميين في الجزائر وفي الخارج (وخاصة في فرنسا حيث يزيد عددهم عن الحاجة) للترويج والإيحاء بأن هذه المنظمات الدولية والشخصيات التي تساندها يجرؤون على طرح تساؤل "من يقتل من؟"، مع العلم أن هذه الصيغة في الحقيقة لم يسبق على الإطلاق أن استعملها المدافعون عن حقوق الإنسان (...) وهو التساؤل الذي وصف تلقائيا "بالبذاءة" (وهو التعبير نفسه الذي استخدمه بصفة خاصة كل من الفيلسوفين الفرنسيين اندري كلوكصمن، وبيرنار هنري ليفي)، لوصف تلك العبارة!، " ذلك أن كل هذه الجرائم، كانت قد أعلنت الجماعات الإسلامية المسلحة مسؤوليتها عنها"، ناسين بكل تأكيد التحقق من وجود هذه الاعترافات أصلا، وإذا ما وجدت بالفعل التأكد من صحتها!
ونلاحظ خلال السنوات اللاحقة، وحتى اليوم، أن كل من يشكك في دور قوات الأمن في الاغتيالات والمذابح التي ما يزال حتى الآن يكتنفها الغموض وتحوم حولها الشكوك.. نجدهم يلصقون به فورا وبصفة تلقائية تهمة "نصير أطروحة من يقتل من؟" [إن ما يجب أن يُعرف هو أن مصلحة الدعاية التابعة لـ(ق.إ.أ/DRS) وصحافة معروفة بعينها مكلفين خصيصا بمتابعة وكشف أي محاولة للتشكيك في مصداقية الخطاب الرسمي...و إن أقل تلميح أو أبسط تساؤل ولو محتشم في هذا الخصوص يدان في الحين ويتهم "بمحاولة تبرئة الإسلاميين من جرائمهم"، وذلك لتأكيد وترسيخ التفسير الرسمي السائد للصراع، والمتمثل في شرعية الحرب التي يخوضها الجيش الجمهوري اللائكي ضد "مجانين الله الإرهابيين"]. وقد أتاح هذا التبسيط للأمور، تبرير كل الجرائم، وذلك بحصر هذه المأساة في صراع ثنائي مخادع بين بعض أطرافه المحركة، والتغاضي عن أطراف أخرى لا تقل أهمية، ابتداء من الشعب ذاته!
إن هذه الممارسات التي تغذي الخلط والإبهام قد بلغت في تفننها من الإتقان ما يجعل الشك يساور أكثر الناس حنكة وفطنة ودراية. وهكذا فليوهموا الرأي العام بأن هذه المذابح المرتكبة في حق المدنيين قد تمت بالفعل على أيدي الإسلاميين... قام (ق.إ.أ/DRS) بضبط آلية جهنمية لا تكاد تخطئ الهدف ويتمثل هذا "الاختراع الشيطاني" في إدراج إسلاميين حقيقيين ضمن مجموعات (مُشكلّة) من تلك الوجوه الإسلامية وعناصر من وحدات الأمن، وتكلف هذه المجموعة بتنفيذ العمليات المبرمجة في الزمان والمكان المحددين...(ويتعلق الأمر هنا بأفراد من الإسلاميين كانوا قد ألقي عليهم القبض من قبل، وتم إكراههم، سواء تحت التعذيب أو إغراؤهم بتقديم وعود لهم بالتخفيف، أو الإعفاء من جرائم ثابتة ضدهم... والنتيجة هي إرغام هؤلاء أو أولئك على التعاون مع القوات الخاصة المكلفة بتنفيذ العمليات، وساعة ارتكاب المذبحة يأمر المسؤولون بتجاوز المنازل الأولى من الحي أو القرية المستهدفة، ويتعمدون عدم قتل أهلها، كي يتخذوا منهم في اليوم التالي شهود إثبات على أنهم رأوا بأم أعينهم سير العملية من البداية إلى النهاية، وأنهم تعرفوا، بما لا يدع مجالا للشك على إسلاميين يتقدمون المجموعة المهاجمة التي ارتكبت "المذبحة".
ولا داعي للإشارة هنا أن وجوه هؤلاء الإسلاميين "دليل دفع التهمة" تكون طوال الليل مكشوفة بينما تظل وجوه بقية عناصر المجموعة المجرمة من قوات الأمن كلها ملثمة!!
وهكذا فإن حبك الأمور بهذه الكيفية الشيطانية هو الذي جعل أطروحة "من يقتل من؟" تأتي أكلها وتحقق النجاح المأمول لها في نظرهم!

الأمن العسكري (أ.ع/SM) في قلب السلطة

أذكر وأنا أختار الـ(أ.ع/SM) ولحظة انخراطي في (ج.و.ش/ANP) في يوم7 من شهر يوليو1974، وكنت أبلغ حينها واحدا وعشرين سنة، كان طموحي وغايتي أن أقدم مساهمتي المتواضعة في بناء دولة قانون قوية، ديمقراطية، مؤسسة على مبادئ وقيم نوفمبر (مبادئ وقيم مفجري ثورة التحرير في الأول من نوفمبر سنة 1954) واحترام الحريات واختيارات الشعب.ومع الزمن وبفعل الوظائف والمسؤوليات التي كان لي شرف تقلدها، ومع التجربة والخبرة التي توفرت لدي على مدى سنوات الخدمة التي نيّفت عن العشرين سنة، أستطيع أن أجزم وبكل تأكيد أن الـ(أ.ع/SM) هو "قلب" السلطة في الجزائر!
انه دولة حقيقية داخل دولة، يتمتع بصلاحيات وإمكانات ووسائل لا حدود لها. ولقد اكتسب هذا السلك من الأمن بحق شهرة "صانع الملوك" لأن "المصالح" كما نسميها، هي التي كانت تُعين أو تَعزل المديرين العامين للمؤسسات العمومية، الولاة، القناصل والسفراء، نواب البرلمان والوزراء وحتى رؤساء الجمهورية !!
غير أنه ولسوء الحظ تأكدت خلال سنوات التسعينيات من حقيقة أخرى، وهي أنها بدلا من أن تضع هذه المؤسسة إمكاناتها الهائلة ووسائلها الضخمة في خدمة البلد والشعب أصبحت توجهها ضد الجزائر والجزائريين. إن رؤساء (ق.إ.أ/DRS) محمد مدين، وإسماعيل العماري، وكمال عبد الرحمان، وتحت ذريعة إنقاذ الوطن من "التهديد الأصولي" قد نظموا بالتواطؤ مع أعضاء عصابة الجنرالات وبعض "الدمى المدنيين" عملية نهب ثروات البلد وارتكاب جرائم بشعة ضد مواطني بلدهم، فلم ينجو منهم لا الإسلاميون ولا الديمقراطيون ولا المثقفون ولا حتى العسكريون. فالشعار الوحيد لهؤلاء المفترسين هو تسيير البلد على هواهم وحسب أمزجتهم المتقلبة، دون قبول أي شكل من أشكال الاحتجاج!!
فابتداء من سنة 1988، وبصفة خاصة بعد 1992، ثلاثون سنة بعد انتهاء حرب تحرير بلدهم عرف الشباب الجزائري معسكرات الاعتقال (المسماة كناية "بالمراكز الأمنية") في الصحراء، كما عرفوا الاختطاف، والاستخدام الواسع للتعذيب (المستعمل بكيفية تلقائية لابتزاز المعلومات – أو خاصة لإذلال المعتقلين) وكذلك التصفيات الجسدية والاغتيالات السياسية (محمد بوضياف، قاصدي مرباح، عبد الحق بن حمودة، عبد القادر حشاني...) المحاكم الخاصة، حظر التجول، "مواطني الدرجة الثانية" 8الميليشيات، و"جماعات الدفاع الذاتي (ج.د.ذ/GLD)" كل ذلك يذكر الجميع بممارسات جيش الاحتلال (تجنيد، استخدام الجنود الإضافيين كالحركى، المخازنية، القومية...) فلا يستغرب –إذن- إذا اعتقد الجزائريون وهم يشاهدون ذلك بأعينهم ويلمسونه بأيديهم أن سياسة جنرالات اليوم هي امتداد أو استمرار لتلك السياسة التي مارسها عساكر الاحتلال في سنوات الخمسينيات من القرن الماضي !!
لا يمكنني أن أسكت وليس لي الحق في ذلك، لأن السكوت يعتبر تواطؤا مع هذه السلطة المجرمة، ولذلك فإن قصدي الأساسي في تـأليف هذا الكتاب هو تقديم شهادتي على أحداث محددة بعينها، قد عايشتها كفاعل منفذ أو كملاحظ منتبه، وإني أقوم بهذا عن قناعة تامة، شعورا مني بالواجب، وبنزاهة القصد، لكي لا يُزور تاريخ الجزائر المعاصر من طرف الدجالين والمتآمرين الدمويين، كما أقوم بهذا العمل كذلك وفاء لذكرى العديد من هؤلاء الذين ذهبوا ضحية الجريمة المخططة في هذه العشرية، وهذا بأمل أن تساعد مساهمتي المتواضعة هذه على استرجاع الشعب الجزائري سيادته وحريته واستقلاله الذي دفع من أجل الحصول عليه ثمنا باهضا!
سيتطرق هذا الكتاب إلى اختراق (ج.إ.إ/FIS) كهيكل سياسي، وزعزعة استقرار الوزير الأول مولود حمروش (المبادر الصادق لإجراء الإصلاحات الاقتصادية، في 1990 و1991، كما سيتطرق أيضا إلى تكوين "النواة الصلبة " للحركة الإسلامية الراديكالية في الجزائر، وكذلك توقيف المسار الانتخابي (في يناير 1992) والذي كان يستهدف بالدرجة الأولى "إطلاق العنان" للعنف، وقيام مصالح المخابرات بتكوين الجماعات الإسلامية المسلحة وعملهم كحلفاء للسلطة، حيث أنه وفي هذه السنوات بالذات(1990–1991) كما سأبينه، أخذت تتجذر البذور الأولى للمأساة المفجعة التي أدمت الجزائر وما تزال تطيل نزيفها إلى اليوم !
سأتطرق كذلك وبأكثر دقة ممكنة لدور هذه "الجماعات الإسلامية للجيش" وهي التسمية التي أطلقها عليها الشارع الجزائري(الذي لم يعد مغفلا منذ زمن طويل) سأفضح دورها في المذابح والاغتيالات الأكثر مشهديه وشناعة وكذلك تصفية الشخصيات السياسية، والعسكرية، وسأذكر توجيههم واستغلالهم من طرف رؤساء الـ(أ.ع/SM) في صيانة "الحرب القذرة" والقيام بمحاولات اغتيال معارضين في الخارج أو استعمالهم كأدوات ضد "المصالح" الفرنسية، وخاصة ما يتعلق بالتفجيرات المأساوية التي وقعت في باريس سنة 1995.
إن القارئ غير المطلع وغير المحنك سيفاجأ عند قراءة هذه الصفحات بالطابع المعقد، والمدى الصعب التصديق، الذي بلغه هذا الاستخدام والتلاعب مع أنه في الحقيقة واقع مؤكد ومثبت بالأدلة القطعية. ولكن ما يجب أن يُعرف هو أن هذه الممارسة التي يقوم بها رؤساء الجيش، والمصالح التي توجه ساسة البلد منذ 1988، لا يمثل في الحقيقة ابتكارا أو شيئا جديدا بل هو يندرج ضمن تقاليد "عريقة" في التسيير السياسي بواسطة "الضربات الدنيئة" تقاليد تعود إلى استقلال الجزائر سنة 1962، بل تعود إلى سنوات حرب التحرير !! وحتى لو لم يكن ذلك من أهداف هذا الكتاب، فيجب التذكير بأن السلطة الفعلية أو الحقيقية كانت قد صودرت بالفعل منذ سـنة 1962 من طرف كمشه من الضباط تكونوا في مدرسة المخابرات السوفياتية (كاجيبي/KGBوالذين اتخذوا من أساليب التلاعب والمناورة الطريقة الأنجع للتحكم في نزاعاتهم الداخلية والسيطرة على الشعب، "فأصحاب القرار" اليوم ومن خلال استغلالهم للعنف الإسلامي كتغطية "لإرهاب الدولة" لم يقوموا إلا بمواصلة العمل المتمادي في استعمال الطرق والأساليب التي ورثوها عن أسلافهم.
وأخيرا، يجدر بي أن أذكر هنا أن إعداد هذا الكتاب لم يكن بالأمر السهل وقد زاد في صعوبته لجوئي إلى بذل جهود مضنية للتذكر، كي أستحضر الأحداث التي وقعت منذ أكثر من عشر سنوات، حيث لا مفر من وجود بعض الثغرات، لقد اخترت توخي الدقة بقدر الإمكان إلى درجة أنني تجاوزت عن ذكر بعض الأسماء والتواريخ التي لم أكن متأكدا منها، والتزام هذه الصرامة في نظري هو احتياط لابد منه حتى لا أترك أية ثغرة، وبالتالي أية فرصة للجنرالات، وعملائهم، كي يلقوا بظلال الشك، وفقدان المصداقية على ما أذكره من حقائق قاطعة، ويصفونها "بالقذف" وذلك لأنني مثل العديد من الذين عايشوا "سنوات الدم" وقطعوا الصلة معها وهم اليوم لاجئين يستحيل علي ماديا حتى لحظة كتابة هذه السطور، أن أبرهن وأثبت تلقائيا بالمعنى القضائي للكلمة – مجموع الوقائع التي انقلها، في حين أن الطاعنين في أقوالي هم في موقع يسمح لهم "بفبركة" وتلفيق أية أدلة وإحضار أي شهود!! فلهذا اخترت ألا أحدد بالاسم ولا أذكر إلا الفاعلين المؤكدين في هذه الحلقات المأساوية، لأني أعرف أنهم إن غامروا في رفع دعوة ضدي أمام العدالة الفرنسية بتهمة "القذف" فسأكون قادرا حيينها على تقديم "عرض من الأدلة" لن يستطيع محاموهم أن يدحضوها أبدا.!!
آخر تدقيق: إني أعرف مسبقا أن هذه الصفحات ستتعرض للنقد الشديد من "أصحاب القرار" في الجزائر، بواسطة مصالح العمل النفساني التابعة لـ(ق.إ.أ/DRS) وأدواتها الإعلامية المعروفة... وقد سبق و أُخطرت بذلك بعدة طرق وخاصة في الثالث من شهر يوليو سنة 2002، أثناء الإدلاء بشهادتي أمام الغرفة 17 للمحكمة العليا بباريس، لصالح الضابط السابق في القوات الخاصة الجزائرية الحبيب سوايدية الذي كان متابعا قضائيا بتهمة "القذف" من طرف وزير الدفاع السابق الجنرال خالد نزار، بسبب الحديث الذي أدلى به للقناة الفرنسية الخامسة ضد "أصحاب القرار" في الجزائر على إثر صدور كتابه "الحرب القذرة" 9.
بعد الإدلاء بشهادتي صرح الجنرال خالد نزار للعدالة بقوله "إن السيد سمراوي غادر الجزائر منذ 1992، بعد ستة أو سبعة أشهر من توقيف المسار الانتخابي... فبعد 12 سنة من الوضع القائم في الجزائر توجد هناك تطورات ولا أظن أن السيد سمراوي ملم بكل العناصر". 10 وألاحظ هنا عابرا أن السيد خالد نزار تحدث سنة 2002 عن "12 سنة" فهو يعتبر إذن أن الوضعية التي كان هو أحد المسؤولين أثناءها، قد بدأت سنة 1990 وليس منذ انقلاب 1992. هنا يكمن أحد مفاتيح فهم خلفيات الفاجعة التي يعيشها وطني منذ ذلك التاريخ!
فهذه إذن مسائلة جوهرية سأحاول أن أتناولها بالتفسير في هذا الكتاب، خاصة وأنني اعتقد أنني قد أجدت "الإلمام بكل العناصر" التي يتحدث عنها السيد نزار، وأترك الحكم للقارئ.