الانقلاب الذي أطاح بالرئيس الشاذلي بن جديد في شهر يناير 1992، و الحرب المعلنة ضد الشبكات المسلحة للأصوليين الإسلاميين في بداية التسعينيات


.شاهد على العصر: خفايا الحرب الطاحنة  ضد الإسلاميين في الجزائر
ضمير حيّ أم حسّ وطني؟

  الجزائري ونظيره الفرنسي إلى درجة أن علاقة (أ.ع/صM) بمدير جهاز الأمن الفرنسي كانت مباشرة وما تزال قائمة على أشدها حتى اللحظة ، 
و حرصا منّا على تعميم الفائدة نكمل اليوم للسادة و السيدات دور مافيات الجيش و سعيهم و بكل الطرق الوصول للسلطة و مسك دواليب الدولة و نهب الثروات و إسكات كل من حاول أن يقول كلمة حق و نسب كل يحصل إلى الإسلاممين و التنكيل بهم مع تواطؤ  
بعد المقدمة التي أكد فيها المؤلف بشاعة المشهد السياسي و الدور المشبوه للجنرالات   بالجزائر و التقارب القوي بين جهاز المخابراتالمخابرات الفرنسية
و في ما يلي النص كاملا

*****
أنا ضابط سام في جهاز المخابرات بالجيش الوطني الشعبي الجزائري (ج.و.ش/ANP)، شاركت في الانقلاب الذي أطاح بالرئيس الشاذلي بن جديد في شهر يناير 1992، كان لي دور في الحرب المعلنة ضد الشبكات المسلحة للأصوليين الإسلاميين في بداية التسعينيات، لأنني كنت أرى حينذاك أنه من واجبي المساهمة في عملية إنقاذ الوطن من الخطر الذي كان يتهدده... غير أن تطورات الأحداث بعد ذلك أظهرت لي بكل وضوح أني أقوم بدور المتواطئ مع جلادي الشعب الجزائري، كما أظهرت لي أيضا أنني لم أكن في حقيقة الأمر أشارك في الدفاع عن مصالح الشعب الجزائري كما كنت أظن، وإنما كنت أدافع عن مصالح عصابة من الأشرار والمفسدين في الأرض، ليس لأعضائها همٌ سوى الحلم بالاستحواذ وبكل الوسائل (هدم،نهب،كذب) على مقدرات البلاد، وفرض إرادتهم التي لا تعدو كونها شكلا منحرفا وملتويا من أشكال الحكم الشمولي!
لقد حاولت في بداية الأمر أن أستدل بالعقل، وأقنع رؤسائي بضرورة تغيير تلك الاستراتيجية التي تسير في الاتجاه المتعارض طولا وعرضا مع طموحات ومصالح الشعب الجزائري والتي لا يمكنها في النهاية إلا أن تسفر عن نتائج وخيمة على البلاد والعباد، ولما لم أجد أية أذن صاغية لرأيي اتخذت موقفا مغايرا منذ 1992 وابتداء من سنة 1996 كنت من بين أوائل الضباط السامين في (ج.و.ش/ANP) الذين رفضوا مسايرة هذا الانحراف متخذا قراري الحاسم والنهائي بترك العمل في مؤسسة أصبحت أداة قمع بين الأيادي الإجرامية لأعداء الشعب الجزائري الأبي.

لماذا الانسحاب من الجيش؟

شعورا مني بواجب إظهار الحقيقة وتكريما لضحايا هذه الحرب التي لا أساس لها، قررت أن أفضح وأندد بكل أولئك الفاعلين الحقيقيين صانعي هذه المأساة الطاحنة والفظيعة التي يعيشها وطني! إنها "حرب قذرة" بكل المقاييس قادها جنرالات عديمو الكفاءة متعطشون للسلطة، يتوارون عن الأنظار ولا يظهرون على المشهد الأمامي لإخفاء رداءتهم وبناء سلطتهم في الظلام على أشلاء أبناء وطنهم.
إن كل ما دونته هنا هو وقائع حقيقية أو تصريحات لأطراف مختلفة ذات صلة بهذه الأحداث، والتي كنت شاهدا مباشرا عليها من خلال القيام بمهامي الوظيفية أثناء حدوثها، لقد حرصت في ذكر هذه المعلومات على توخي أقصى درجات الدقة والتوثيق فيها، بحيث لا تترك مجالا يتسرب منه أدنى شك في مدى صحتها ومصداقيتها، وما آمل من وراء ذلك إلا أن يساهم هذا الكتاب في إظهار الحقيقة التاريخية وإرجاعها إلى نصابها ناصعة دون أن تشوبها أية شائبة، إحقاقا للحق وإنصافا للتاريخ الحقيقي الذي لا ينتظر أن يكتبه أو يستسيغ سماعه المنحرفون من مغتصبي الأوطان وجلادي الشعوب.. كما آمل في الحين ذاته أن يتمكن هذا العمل الموثق من أن يكون من ضمن وثائق الإثبات في محكمة محايدة ومنصفة ستقام يوما لمحاكمة هؤلاء المسؤولين المجرمين المتسببين في هذه المأساة الفظيعة!
لقد انخرطت في صفوف (ج.و.ش/ANP) في شهر يوليو من سنة 1974، وبعد حصولي على شهادة مهندس في الكيمياء الحيوية سنة 1977 اجتزت دورة تدريبية لتكوين الضباط (من شهر أكتوبر 1978 إلى جوان 1979) وبعد تخرجي (وكنت الثاني على دفعتي) عُينت مدرس في مدرسة الأمن العسكري (جهاز المخابرات التابع للجيش والمعروف باسم "أ.ع/SM") الواقعة ببني مسوس (في ضواحي العاصمة)، وبعدها شغلت عدة مناصب دائما في الـ(أ.ع/SM)، في قسنطينة ثم في ڤالمة، فتيبازة.
بعدها (من مارس 1990 إلى 1992) عينت في الجزائر العاصمة كمسؤول عن مصلحة البحث والتحليل (م.ب.ت/SRA) في إدارة مكافحة التجسس، وبالموازاة مع هذه الوظيفة الأساسية كنت أعمل مدربا في مدرسة ضباط الـ(أ.ع/SM) ببني مسوس، وكنت أيضا عضوا في إدارة حالة الحصار المعلنة في شهر جوان سنة 1991 ثم بعد ذلك في إدارة حالة الطوارئ ابتداء من شهر يناير 1992(حتى وإن لم يعلن ذلك رسميا إلا في منتصف شهر فبراير كما هو معلوم)، وفي صائفة 1992 ونتيجة حصول عدم تفاهم بيني وبين رؤسائي حول الطريقة التي مورست بها عمليات محاربة العنف المسلح طلبت إعفائي من مهامي الوظيفية غير أن طلبي قوبل بالرفض القاطع، وفي ظروف سأعود إلى ذكرها بالتفصيل فيما بعد قبلت أخيرا تعييني في سفارة الجزائر بألمانيا، حيث شغلت من شهر سبتمبر 1992 إلى غاية شهر يناير 1996 منصب الملحق العسكري، وفي نفس الوقت المستشار المسؤول عن الفرع المحلي للـ(أ.ع/SM)، برتبة رائد ثم مقدم.
وبالرغم من الشكوك التي كانت تراودني منذ 1992، فقد كنت مقتنعا بأني أشارك في إنقاذ وطني، ولكنني وفي سنة 1995 زال شكي تماما أمام دلائل قطعية لا يرقى إليها الشك وأدركت المؤامرة التي تحاك ضد الشعب الجزائري.
وبدافع من ضميري ومحض إرادتي اتخذت قرارا لا رجعة فيه بالقطيعة النهائية مع النظام القائم، ووضعت نفسي في خدمة الجزائر وليس في خدمة عصابة من اللصوص لا يهمها إلا الدفاع عن مصالحها الخاصة، والمحافظة على امتيازاتها التي لا تعرف الحدود، على حساب كل الأعراف والقيم، العصابة التي لا تتردد من أجل الإبقاء على تلك الأوضاع في إثارة الجزائريين وتحريض بعضهم ضد البعض الآخر، واغتيال الأبرياء للإمساك بقبضة من حديد على الوطن، ورهن مصيره ووضع الأيدي على قدراته السياسية والاقتصادية...
ونتيجة لمواقفي المغايرة التي أبديتها لرؤسائي فيما يتعلق بممارساتهم، تم استدعائي إلى الجزائر العاصمة في 26 يناير 1996.
 لقد حاول رئيس جهاز الأمن الجنرال محمد مدين المعروف بـ "توفيق" أن "يشتري" سكوتي عارضا علي منصبا ضمن إطارات مؤسسته ومقترحا علي في الوقت ذاته ترشيحي لرتبة عقيد (مع العلم أن اسمي كان في الحقيقة مدرجا على لائحة المرشحين للرتبة في شهر يوليو 1996). وبحكم تجربتي الطويلة معهم، وخبرتي العميقة بهم كنت أعرف جيدا قيمة تلك الوعود، ولذلك لم أمكث في الجزائر سوى أسبوع واحد، بعد وصولي إليها قي 4 فبراير، وقفلت عائدا إلى ألمانيا في 12 من نفس الشهر عن طريق خط الجزائر بروكسل، لقد كنت أعرف أن بقائي في الجزائر بقبول المنصب الجديد يعني حتما بالنسبة لي إصدار الأوامر لجزائريين لقتل جزائريين آخرين، وفرض المزيد من المعاناة والمآسي والآلام على أفراد الشعب بالاعتقال والإذلال... وهو ما كان يتعارض تعارضا كليا مع قناعتي وضميري، ويتناقض أيضا مع اليمين التي أديتها معاهدا الشهداء الأبرار عند انخراطي في صفوف (ج.و.ش/ANP) على أن أظل ما حييت وفيا لهم ولمبادئهم السامية، كما لم أرد كذلك أن أخون شعارنا الثلاثي الرائع الذي شربناه واقتنعنا به وطبقناه طوال سنوات التكوين والخدمة ألا وهو " الإخلاص، الشجاعة، اليقظة ".
لقد وقفت مليا أمام هذا الوضع وتساءلت عن كيفية تفادي المشاركة في هذه الحرب "المنافية للعقل"؟ هل أقدم استقالتي حسب اقتراح بعض الأصدقاء ؟ إن الإقدام على ذلك لم يكن ممكنا، ذلك أن تقديم الاستقالة أثناء "حالة حرب" سيوضع قطعا في خانة الفعل "الخياني" ويتعرض صاحبه حتما للإعدام..
وكذلك، فإن العديد من الضباط النزهاء ذوي الضمير الحي والحس الوطني والمهني الرفيع من الذين رفضوا التورط في المغامرة قد اغتيلوا جميعهم في ظروف غامضة: وفي غياب إجراء أي تحقيق جدي فقد كان اغتيالهم دائما ينسب إلى الجماعة الإسلامية المسلحة (ج.إ.م/GIA) ويعلق على شماعتها الجاهزة المعدة لهذا الغرض!! في حين أن كل عمليات التصفية تلك كانت في الحقيقة مدبرة ومخططة من طرف رؤسائهم الأنذال، تحت ذريعة امتناع هؤلاء الضباط عن تطبيق تعليماتهم الإجرامية أو أنهم من المحتمل أن يمتنعوا..
فكرت كثيرا في كيفية التصدي لانحراف هذه العصابة المجرمة فلم أجد أمامي أي خيار سوى الهجران البائن والانسحاب من الجيش، وترك الجمل بما حمل من أوزار، فاتخذت القرار الحاسم بالإقدام على طلب اللجوء السياسي (وحصلت عليه) في ألمانيا حيث أعيش منذ ذلك التاريخ حتى يومنا هذا.

 

انحراف الإسلاميين


بصفتي قد عايشت الأحداث في قلب النظام، أستطيع أن أصرح بأن الحرب الطاحنة التي تمزق بلدي منذ 1992 هي أكثر تعقيدا مما تحاول أن تسمعنا إياه بعض التحاليل القادمة من أروبا، والتي تقدم لنا هذه الحرب باعتبارها صراعا ناشئا عن تعارض بين عسكريين جمهوريين ومتعصبين إسلاميين... فلهذا السبب أردت أن أساهم في إظهار الحقيقة للتاريخ دون أية مجاملة أو تحيز لهذا الطرف أو ذاك.
إني في هذه الشهادة أتهم وأدين قادة الجيش الذين يسيرون ويستغلون العنف الذي تقوم به الجماعات الإسلامية منذ سنوات. قد يعتقد البعض أنني أتخذ موقف الدفاع عن (الجبهة الإسلامية للإنقاذ) (ج.إ.إ/FIS)، أو عن الإسلاميين، ولذلك أحرص منذ البداية هنا على التوضيح بأني لم أنتسب على الإطلاق، في أي يوم من الأيام إلى أية منظمة سياسية، كما أنه ليس في نيتي على الإطلاق أن أنفي أو أبرر الجرائم الفظيعة التي ارتكبها بعض الإسلاميين، والتي وردت وقائعها مفصلة في العديد من الكتابات، وسواء كان مرتكبو تلك الجرائم أو لم يكونوا مستعملين ومغررا بهم، فإنهم في كل الأحوال مجرمون، ويجب أن يحاكم مرتكبوها يوما لينالوا جزاءهم. إذا كانت هناك حرب فحتما يوجد هناك طرفان متعارضان ومتصارعان وهذان الطرفان في نظري هما الجنرالات من جهة وقادة (ج.إ.إ/FIS) من جهة أخرى، فلكل منهما دور ومسؤولية في إحداث المأساة الجزائرية الراهنة.
بعد الانتصار الذي تحقق للإيديولوجية الإسلامية ابتداء من سنة 1989 أخذ أصحابها يتوقون إلى تجسيد مبادئ وقيم الإسلام محاولين في غالب الأحيان فرض ذلك بالقوة وبالتي هي أخشن، وليس بالإقناع وبالتي هي أحسن. وبالرغم من أن قاعدة هذا الحزب كانت غير متجانسة إلا أن بعض قادة (ج.إ.إ/FIS) شجعوا هذا الانحراف التسلطي، وهو الأمر الذي أدى إلى ظهور تيار متطرف مناهض لأي تقدم أو مسايرة للعصر. وقد طور هذا التيار خطابا معاديا للديمقراطية يتجلى بوضوح في بعض الشعارات المرفوعة آنذاك " الديمقراطية كفر" أو " القانون الوحيد هو القرآن" أو "لا ميثاق لا دستور قال الله قال الرسول" وكان أصحاب هذا الاتجاه يدعون إلى تطبيق الإسلام بالقوة والعنف، كإجبار النساء على ارتداء الحجاب أو إقامة الحدود الشرعية على العصاة والمخالفين... وكذلك أخذ الضريبة "الثورية" التي تحولت فيما بعد، خلال سنوات الدم، إلى "ضريبة الجهاد"، (إن هذه الفرقة المتطرفة من الإسلاميين هي التي دفعها الـ"أ.ع/SM"، بالوسائل التي سنتحدث عنها فيما بعد، إلى الثورة والمجابهة، مجرجرة معها شبيبة بكاملها إلى حمل السلاح والالتحاق بالجبال واتخاذ لغة العنف وسيلة وحيدة للتخاطب)، ثم ما لبثت الحسابات السياسية لقادة (ج.إ.إ/FIS) وتلاعبات مصالح الـ(أ.ع/SM) واستفزازاتها فيما بعد أن جعلت الحركية المتولدة من هذا الحزب تسلك طريق المواجهة، مما أدى أكثر فأكثر إلى جعل أية فرصة أو إمكانية للتعايش غير ذات موضوع، أو قرار.
لقد حاول الرئيس الشاذلي بن جديد كثيرا أن يحقق نوعا من التوازن بحرصه الشّديـد على تحقيق المصالحة بين أصحاب الاتجاه الديمقراطي (بمن فيهم الموجودون داخل "ج.إ.إ/FIS") والجنرالات "أصحاب القرار" المعادين للإسلاميين في آن واحد، علما أن الإسلاميين وعـدوا بمحاسبة المسؤولين، وكانوا سيتولون أمر المراقبة على المداخيل (التجارة الخارجية، وصادرات البترول والغاز). وقد كلّـف الرئيس الشاذلي بن جديد تمسكه بموقفه التصالحي هذا، منصبه ذات يوم في 12 فبراير 1992.
ابتداء من هذا التاريخ المشؤوم، اتخذ جنرالات الظل من توقيف المسار الانتخابي وإلغاء نتائج دورته الأولى... ذريعة للزج بآلاف الجزائريين في أتون حرب أهلية فظيعة: جنون غير مسبوق يصيب الشباب الذين كانوا محرضين بعضهم ضد البعض الآخر من قبل نظام حكم مكيافيلي، في حين لم يكن هؤلاء الشبان يحلمون جميعهم في حقيقة الأمر إلا بالحرية والعدالة والكرامة!
إن الإسلام الثوري أو الحركي لم يبرز إلى الوجود هكذا من العدم. فالبؤس الاجتماعي وتهميش النخب التواقة إلى التقدم ومواكبة العصر وكذلك رفض أي مشروع مجتمع متماسك يسمح بتكوين تركيبة متناسقة تجمع بين القديم والجديد والأصالة والمعاصرة، يضاف إلى ذلك غياب الحرية والديمقراطية، وتفشي ظاهرة الرشوة والفساد في كل مكان وفي مختلف المجالات... كل هذه العوامل والظروف مجتمعة هي التي أدت خلال الثمانينيات إلى ظهور الحركة الإسلامية في الجزائر. ومن جهة أخرى وفي سياق جيوسياسي وتحول واسع وعميق للعالم (سقوط جدار برلين، أفول نجم الشيوعية، نهاية الحرب الباردة، وبالتالي نهاية عالم القطبين، وظهور العولمة...) كان بروز الحركة الإسلامية نتيجة منطقية كذلك لتدني مستوى "أصحاب القرار" الرئيسيين الذين لم يرفضوا تسليم المشعل للأجيال اللاحقة فحسب، بل أن فسوق" شبه النخبة" هذه التي تعيش على الريع قد عكس للمجتمع صورة نظام متغطرس تنخره الرشوة، ويشله الإهمال، ويقتله التبذير.
 لم يدرك هؤلاء المسؤولون أو القادة أن وضع العالم قد انقلب جذريا رأسا على عقب، وأن الإسلام السياسي يفرض نفسه فرضا كبديل للهيمنة الأمريكية منذ انهيار الإمبراطورية الشيوعية. لقد كانوا يريدون مواصلة تسيير الأمور على الطريقة القديمة التي عف عنها الزمن، وتجاوزتها الأحداث. وهذا ما يبرر عدم الفهم والإدراك في البداية ثم الاندهاش بعد ذلك، وأخيرا المقاومة الشرسة لكل محاولات الإصلاح التي أعقبت "الانفتاح السياسي المراقب" منذ بداية 1989.
لقد لاحظت البلدان الأوروبية هذه التحولات دون أن تدرك المراهنات في الواقع، مترددة بين الرضى بما يعد به الانفتاح الديمقراطي وبين التوجس من إمكانية قيام ديكتاتورية إسلامية على أعتاب أروبا. إن احتمال ظهور دولة دينية على النمط الإيراني هو أمر غير وارد فضلا عن أنه غير مقبول كذلك. وهذا كله ما يفسر تخاذل الحكومات الأوروبية، عندما ذهب الجنرالات بعيدا في ممارستهم للقمع والاضطهاد ابتداء من انقلاب 1992.
إن هذا الانقلاب قد سار نحو الأسوأ في دعم سلطة الجنرالات وبسط نفوذهم بصفة كلية على البلاد منذ ذاك الوقت، وهؤلاء الجنرالات هم : خالد نزار، العربي بلخير، محمد تواتي، محمد العماري، وشركاء آخرون... هؤلاء الذين يسمون عادة بعصابة "الفارين من الجيش الفرنسي" (ف.ج.ف/DAF)، حتى إن بعضهم كالجنرال محمد العماري، ومحمد تواتي لم يلتحقوا بمراكز الجيش الوطني خارج الحدود الجزائرية إلا في سنة 1961 أي ببضعة أشهر فقط قبل الاستقلال، ولم يشاركوا قط في أية معركة ضد المحتل الفرنسي داخل الوطن أو خارجه!
وبصفة جلية فإن قسما كبيرا من قادة (ج.إ.إ/FIS) قد أخطئوا نتيجة قلة تجربتهم السياسية وانشغالهم في كبح جماح الجناح المتطرف داخل الجبهة الذي غالبا ما كان يُحَرك من طرف جهاز الـ(أ.ع/SM)، وبذلك تكون(ج.إ.إ/FIS) قد شاركت بقسط وافر وبشكل كبير في إعطاء المبرر لجنرالات(ف.ج.ف/DAF)، وتمكينهم من النجاح في مناورتهم للاستئثار بالسلطة وبسط نفوذهم على البلاد والعباد!
  يتبع ****